اخبار الكويت

الوافدون في مقاهينا

في طريقي للمقهى تعرفت على ليبي قذفت به مدفعية الثوار هنا، حدثني عن إخوته وعن عيشتهم الكريمة قبل الثورة، وعن أمه واتصالاتها المتكررة، بدت ابتسامته مطمئنة وهو يحكي عن وعي تجربة الأربعين التي تعوي في دمه.

في المقهى «قهوة فرنسية وسط… لو سمحت»، قلت للمعلم والذي بدوره قال للعامل الآسيوي.



على يميني مجموعة من المغاربة يتناقشون حول شخص ما ويبدو أنهم سيتقاتلون بعد قليل لدرجة أني فكرت أن أدخل لأهدئ روعهم، ثم ماذا؟ بدأوا ينفجرون ضحكاً وكأنهم قادة انتهوا للتو من تصفية حسابات حربية خرج منها الجميع منتصراً من دون رغبة في تصفية أشخاص أو قصاص مستقبلي.

التوانسة والمغاربة والجزائريون بقدر بعدهم الجغرافي عنا وبقدر اتساع الفجوة المعرفية التي بيننا إلا أننا نشعر أنهم قريبون جداً، بقرب الطاولة التي بجانبي.

على طاولة بعيدة يجلس مجموعة من الأفراد لم أستطع أن أحدد جنسياتهم، أحدهم دس خرطوم الشيشة في فمه منهمكاً بشاشة هاتفه مع ملامح محايدة تماماً وحوله خمسة أشخاص منهمكون في الحديث حول مسألة ما ربما قضية لا أحد يلقي لها بالاً، لم يتوقفوا عن الكلام والضحك ويتكلمون جميعاً في الوقت نفسه… البشاشة والسماحة باديتان على وجوههم، وما زال صاحبنا منهمكاً في هاتفه، يبدو أنه ملّ النقاشات والحوارات والأخبار، وينتظر فقط.



معلم المقهى المصري يقف في المنتصف ويشير بكلتا يديه بشكل مستمر وكأنه مايسترو يعطي أوامره للصبية الهنود لكي يأخذوا طلبات الزبائن أو يجلبوا المطلوب. لا أدري لماذا شعرت أنه مراكبي قديم قذف به النيل إلى الخليج ليصبح معلم مقهى بلا أشرعة أو ريح، سألته عن ذلك فقال لي «مبعرفش أعوم!».

حول شاشة كبيرة تجمع عدد من الشباب باختلاف بلدانهم لمتابعة مباراة مهمة في الدوري الأوروبي، وهل يوجد أهم من ريال مدريد؟

الرجال الكبار من الفلسطينيين والأردنيين واللبنانيين والسوريين في الكويت تبدو عليهم ملامح الوقار والهيبة… ممتعين إذا تكلمت معهم وصادمين إذا كلموك عن التاريخ وتبدو التجاعيد التي على جباههم تحمل الكثير من ثنايا المنعطفات الكبيرة في تاريخ المنطقة.



هناك واحد من بين الصبية الهنود قصير جداً وصغير الملامح للدرجة التي تجعلك تدفع بقشيشاً مبالغاً فيه من أجل أن تسأله عن عمره من دون أن يشعر أن في الأمر إهانة أو استنقاصاً… عمره 35 عاماً!

يخوض معي حديثاً بالإشارة وبعض الكلمات العربية التي توحي لك أنه يعيش غربتين…الوطن واللغة!

أحب الهند والهنود… احترمهم كما احترمهم ويل ديورانت، موسيقاهم وأشعارهم، صبرهم وطول نفسهم، ثقافتهم وعاطفتهم التي يأخذونها معهم في كل مكان بقوة الحاجة تجعلني أقف مبهوراً لهم.

الباكستانيون والأفغان… رجال يفضلون الحكمة وليس الضحك، أصحاب عادات وتقاليد ضاربة في شواربهم ونظراتهم المتحفظة، ولغة الخطاب التي لا تقبل التمييع.



لن تجدهم في المقاهي!

المقاهي للسعداء… ومن استوطنهم الحزن!

مكان مناسب للعاطلين، وراحة بال للعاملين، مساحة يلتقي فيها الغرباء باحترام، دستورها شفوي «افعل ما جئت من أجله… وارحل من دون أن تترك أثراً».

وجه الشبه بين المقاهي وبين المصاعد (الأسنسير)… كلاهما حالة صمت حتى لو تخللها حديث، أو حالة ثرثرة صامتة.

«مساحة مخنوقة… لا تنتج شيئاً»، هكذا قال لي صديقي ذات مساء، ولكني أعتقد أنها تقدم الشاي والقهوة والنرجيلة وبانوراما صامتة يمكن تفسيرها.



إن رؤية التنوع الكبير بيننا نحن الكويتيين… القادمين من الشمال والجنوب والشرق والغرب، ذلك الشعب القائم على التنوع في ذاته وفي أرضه وفي لغته وفي فنونه وفي شكل الحكم… تنوع رائع رغم صغر المساحة، تنوع مستمر عمره 300 عام، بدأ بسور مساحته 750 متراً عام 1760م وانتهى بسور مساحته 6400 متر عام 1921م، لتتوسع المدينة 9 مرات تقريباً قبل ظهور النفط، ما يدل على ان التنوع سمة أصيلة بعيداً عن البرميل.

إن أجمل ما في الكويت ليس فقط كونها سبقت دولاً كثيرة بالاستقلال والدستور وكانت محطة مهمة في الثقافة وتلاقي الأفكار والآراء وإعطاء الفرص تلو الفرص، بل قدرتها على التعاطي مع هذا التنوع. لطالما كانت الكويت محطة مهمة في كل شيء… كل الذين جاؤوا إلى هنا سواء حققوا أحلامهم أو جروا وراءهم مجموعة هزائم فقد ظل هنا يعيش معهم هناك.



هنا التي طالما كانت تنادى بالسلام والأمان والعيش المشترك الكريم، هنا التي جاءها الناس من كل فج عميق… وآخرون سقطوا من السماء.

هنا أرض طيبة رغم التقشف وشعب كريم رغم السياسة، وكل الأوطان أرض طيبة وكل الشعوب شعب كريم، ولكن مجموعة الملامح التي هنا تجعل منها مكاناً فريداً من نوعه حقاً… قائماً على التنوع وإن كان يحتاج إلى تنظيمه وليس إلغاؤه لكي لا يتحول إلى فوضى.

دفعت ثمن مشاربي… سألني معلم المقهى «لامؤخذة في السؤال… هو حضرتك منين»؟

قلت له: أنا من هنا.

قال لي: أجدع ناس.

كاتب كويتي



مصدر . 

تعليقات الفيسبوك

مقالات ذات صلة

إغلاق